كان ياما كان بحر رائع الجمال رأى الشمس يوما فافتتن بها و أرسل لها مع هدير الموج ألحانا و مع رذاذ الماء أحلاما ، فعلقته و لما كان الليل وافته، ثم أصبح الناس فرؤوا على الرمال ، صبيّة رائعة الجمال، ترفع يدا ضارعة الى ربّ السماء أن يحفظ الودّ بين اأمها البحر و أبيها الذي في السماء لكن البحر ظل عابثا يحمل له إليه المد و الجزر إغواء القمر و النجمات فينتج في الصباح بلادا تملا المحيطات أما أبوها الشمس فما فتئ يمارس سحره على كل الكائنات فتخصب أشعته السهول و الأودية و الغابات
و رغم ذلك ظلت الفتاة منتصبة الى السماء تنتظر الوفاء من أمها البحر و ابيها الذي في السماء. وبين ال لسبب ما تراخت يد الفتاة و دقت صدرها ذات مساء فإذا اليد تقع على النهد قد نشأ فجأة و استوى و صرخت الفتاة لهول ما أصابها من لذة و انتشاء. كانت الشمس قد رشقتها بجمرة أذكت اللهيب في الاحشاء و فرت الصبية من لهيبها الى الماء فإذا هو من جديد لقاء بين البحر و الشمس و قصة الانواء
و استرخى جسد الفتاة على سطح الماء و قد شب أبناؤها على جسدها و تكاثروا فرزقتهم خيرها الوفير حنطة و ثمارا برتقالا و عناقيد كرم و جلنار
و نشأأحمد بين أحضان البرتقال يحرس الزهر و الثمار و يكلف بحرقة الازهار تتصاعد عبقا عرقا أريجا تجمعه العجائز في أواني من الفخار
أما هي فلا تدري لماذا اختير لها من الاسماء اسمها فقد كانت مزيج حنطة و سكر و كان أحمد يراها فيشعل لفافة و يتذكر فنجانه المعطر .
لقد أصبحت قهوته كلها متشابهة فيها من المرار بمقدار و من الحلاوة بمقدار لكنها عدمت طعم النارنج فما عادت تنشيه و لا هي تسكر
و يوم قدمت له الهوة بعد الزواج استعادت ذاكرته رائحة الليمون فأراد ان يفر بها عن العيون لذلك أسكنها غابة من الزيتون
عاشا معا عيشة هنية لا يعكر صفوها عناء و قد نسي الجميع حكاية نزق الآباء و في ضمير الغي حفظها الاب الذي ظل في السماء. وعم في البلاد الرخاء و أثمر الأنس بينهما أمنا و أمانا و امتلات سنابل القمح حبات سمانا
حلم احمد يوما أن يكون سيفا بتارا يقطع دابر الظلم و يؤمن الحياة لأزهار الليمون فكانى أن انجب طفلا سماه حساما و هنئت مزيج الحنطة و السكر و فنجان القهوة المعطر بوليدها فأثمرت أحلاما و آمالا و اخضر الزمان و بدأ عهد الامان
و وقفا ليلة أمام مولودهما الجيد يتخيران له اسما . كان غاية المنى عندهما به يتجدد الامل لذلك لم تغتظ الام هو الآخر ذكر و خر الأب ساجدا و هو يحمد الله الذي في السماء على هذا العطاء فكان اسم الوليد مزيجا من الامن و الحمد و اشياء أخرى لحينها تعتبر
و نشأ محمد أمين ثالث إخوته فيه من حيويتهما و من عصبيتهما و لكن فيه شيء جديد فقد كان خلاصة مطنة و ذكاء لذلك تعلم المشي على شفا الحفر دون اتقاء
كان النظر الى النار يستهويه يغويه و تعجه ألسنتها التي تتمدد كلما اقتربت منها الأجسام و كثيرا ما كان يتساءل : أهي النار التي تشكل الخطر ام هي الاجسام التي لا تعترف بقوانين الحذر
كان يود لو سمي نارا فيه من لذة اللسع و منآلام الاحتراق و كان البحر أيضا يغويه تسكن صفحته حينا ثم لا تلبث الاعاصير ان تنتفض من الاعماق
مازال يذكر كيف سحبت منه صدديقه ذات صيف . لقد بلغه نعي عُلا قبل ان يفكر في نه فجأة عن ناظريه قد اختفى
كم كان يتمنى لو سموه نارا أو سموه بحرا أو بحرنار ان كان قدره أن يسمى اثنان
لكن اسمه ما كان يضجره فقد ناداه أبوه محمدا و نادته أمه امينا فربطا بينه و بين المقدس و استغفلهما في ما قرأه في نفسه من المدنس و حببت ليه الصلاة كما حببت إليه الحياة
لذلك تعود كل ليلة ان يذكر النار يصلاها في جوفه قبل النوم مرارا عسى أن يفيق في الغد و قد امتلأت رغبته انكسارا فإذا أإفى أخذته الاشباح الى او الارواح الى البحر و تغرقه في لذائذ من من الأحلام و الدنيا من السكْر و الدنس فإذا أفاق صباحا عاذ آمنا امينا منعاونا حليما يثني الجميع على هدوئه غير المعهود
و ذات يوم كره غابات الزيتون و الحقل الذي أخفاهم فيه الاب بعيدا عن العيون فذهب مع لداته ينشد البحر حيث مازالت االيد النتضرعة الى الماء تدعو الله ان يديم الوفاء بين أمها البحر و أبيها الذي في السماء
و كانت على الضفة الاخرى تتعطر تلبس الشمس وشاحا يلف حدائق المرمر
كانت شهية بهية فاتنة تحدق في البحر ثم يهتزّ نهداها و لا تهدل و البحر راحتان أعياهما الانتظار و يرتعش ردفاها و لا ترهل و الموج اهتزاز رفيق بلا انكسار و سري في الماء خدر فتتمايل الاعطاف ثم يزهر الكرز على شفتيها و ينبت الربيع خجولا تحت ابطيها و سررعان ما يعشب الوادي الخصيب
شهية بهية غانية تترعها الشمس خمرا و يبذل لها الماء الهدايا بعض الفيروز في العينين و قطرات من الضياء تلهب الحنايا و يتهاطل عليه الجسد كتلة غلمة و اشتهاء هي ذي جميلة الصبايا
و اقتربت من صدره العاري عناقيد فيروز و توت وقرر فيها لتوه الاحتراق لتوّه او ان يموت و همت به و همّ بها و غمس راسه بين نهديها يتشمم رائحة النارنج المقطر و يتشرب في حقولها عبير الحنطة و السكر . فلسعته كتل الجليد تصلبت اطرافه و أصابه برد شديد
و جثة عُلا تطفو و تغيب كل معاني هدوئه المجيد
نعم هي ذي جثة عُلا ذلك الذي سلب منه حمده يوم اختفى و لم يترك له البحر الا جسدا موصوما بالجسد يدامي يخرب يدمي لاينشيه شيء غير منظر الدماء .يستعذب انتصره على الجسد بهذا الارتخاء يزيده مرارا ما يراه في نفسه من هزائم الارتخاء
يا أباه الذي في السماء لماذا تعذبه بهذا الاصطلاء و يا امه البحر ألم ينجب رحمك سيئا آخر غير الفتنة و الإغواء ؟ أكره دنياكما فدعاني أرسب في القاع ثم أفنى واحدا من الاشياء . و غاص محمد أمين في اللج ثم عاد و طفا جثة هامدة كجثة عُلا
لكن الفتاة التي ظلت بين الارض و السماء ما ززالت مؤمنة بالوفاء كانت قد دقت صدرها و رأى هول ما جرى فأسرعت تضم ذراعها الى الجانب الأيسر من الصدر و تنشل محمد أمين من البحر و تقربه كثيرا كثيرا من القلب توشوشه كلاما جميلا عن الحب وعن فانة تتمشط عند حقول السكر و برائحة القهوة و النارنج تتعطر و تفتح ذراعيها للألى أحرقهم فحيح الطين و تهافت العلا
فتتحرك غي الشاب الاصابع تداعب خصلات السعر و يعلو في الفضاء لحن رائع و تقبل الصبية الأصابع و اليد و ترقص نشوى علىى تقاسيم لحن الوفاء كان الاب الذي في السماء يدرك جيدا ان ضياءه لن يضيع هباء و كانت الام بحرا قادرا على العطاء و لكنها أرادت ان يعرف أبناؤها معنى الابتلاء فيزهدون في الزبد و يدركون معنى العُلا في الحب في الفن في الكلمات تصدر عن مهجة أضناها الشقاءفيسبحون حمدا لربّ السماء
و يقبل أحمد جبين الحنطة و السكر و يرشف من فنجانه المعطر آمالا و أحلاما ثم يمتشق أمنه حساما لقد أضحى رب غابات الزيتون لا يتخفى فيها عن العيون بل ينثر عليها عبق أزهار الليمون
و يرفع صوته في لحن ذي شجون
يا سايق النجع الاول
وهات العصا و نا نسوقه
ريق البنات سكر و حلفو عليّ نذوه
ساق نجعك ساق و خشوا الفيافي
وين رحلوا بيك يا الزين الصافي
ساق نجعك ساق ة خشوا الحنايا
وين رحلوا بيك يا مشكايا اغنية كلاسيكية من التراث التونسي البدوي
انتهى
